Logo 2 Image




رسالة جلالة الملك عبدالله الثاني المعظم إلى رئيس الوزراء حول مسيرة الإصلاح

بسم الله الرحمن الرحيم
دولة رئيس الوزراء الدكتور معروف البخيت حفظه الله،
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد،


فأبعث إليك ولزملائك الوزراء بخالص التحية والشكر على ما تبذلون من جهود، وما تنهضون به من مسؤوليات وواجبات، في إطار كتاب التكليف للحكومة، لمواجهة الأعباء والتحديات التي يمر بها الوطن، والتي نصر جميعا على التصدي لها ونحن نشكل صفا وطنيا يعي أسباب التحديات، ويقرأ تحولات المجتمع، ويتفهم ظروف الإقليم، ذلك أننا لسنا وحدنا من يمر بمثل هذه الظروف الاقتصادية والاجتماعية الحافلة بالضغوطات، والمعبرة عن آمال المواطنين في التخلص من أعباء الفقر والبطالة، والحصول على فرص عمل تحفظ لهم ما يليق بهم من كرامة الإنسان، وفي تطلعهم نحو المشاركة السياسية وصنع مستقبلهم.
إنني أستذكر في هذا السياق إنجازات شعبنا الأردني على امتداد التسعين سنة هي عمر الدولة التي أسسها الأجداد وأعلى بنيانها الآباء، وأرى إصرارهم العظيم على مواصلة المسيرة مهما عظمت الصعاب، لأشعر بالفخر والاعتزاز بانجازاتنا في ميادين التعليم والصحة والبنى التحتية، واقتصاد المعرفة، والتكنولوجيا المتقدمة.
لقد راجعنا المسيرة منذ استئناف الديمقراطية قبل ما يزيد على عشرين سنة، وكنا حريصين على الإصلاح الشامل، وما نزال، وقد شهدنا مراحل مختلفة في باب التحديث والتجديد، تحقق فيها نجاح كبير، ولاحظنا أحيانا أن قوى تشد المسيرة إلى التراجع، وأخرى تحيطها بأفكار لا تتناسب والتقدم، وثالثة تنتهز الظروف لتجنح إلى الفساد على حساب مصالح شعبنا وتقدم شبابه بطاقاتهم الخلاقة إلى المشهد الإصلاحي من أجل أردن جديد يليق به الإبداع والتعددية وتكافؤ الفرص والالتزام الكامل بحقوق الإنسان.

دولة الرئيس،

إن جملة من القضايا الرئيسة في مسيرة الإصلاح تحتاج إلى إجراءات سريعة وحاسمة ومتابعة وتقييم، ولا بد من جعلها بين الأولويات في عمل الحكومة وسائر المؤسسات ذات الصلة، وهي:

اجتثاث الفساد، فلا بد من ملاحقة الفاسدين والإطاحة بهم، وعزلهم، وإذا ظل الحديث عن مكافحة الفساد فهذا يقع في باب المفاهيم لا في باب الإصلاح، لذلك أتوقع أن تجتث المؤسسات المكلفة بذلك، ما ظل من جيوب الفاسدين صغيرة كانت أو كبيرة؛ وأن يوقع عليهم القصاص الذي يستحقونه في دولتنا، دولة القانون والمؤسسات. كما أوجه بضرورة أن تصدر هيئة مكافحة الفساد تقريرا كل شهر عن إنجازاتها لكي يعلم الرأي العام بها بكل شفافية ومسؤولية.

إنجاز القوانين الناظمة للإصلاح السياسي، وإني لعلى ثقة بأن لجنة الحوار الوطني ستنهي عملها حول قانون انتخاب ديمقراطي يضمن تمثيل أبناء شعبنا كافة، وقانون الأحزاب في الوقت المحدد لها، بينما تنهي السلطة التشريعية قانون الاجتماعات العامة، وتفرغ الحكومة من قانون البلديات الذي ستجري على أساسه الانتخابات البلدية هذا العام، بعد مروره بمراحله التشريعية، بما في ذلك أمانة عمان الكبرى.

إن استقلال الجامعات وضمان حرياتها الأكاديمية والفكرية والإبداعية أمر أساسي، وإنني أوجه الحكومة وجميع المؤسسات المعنية أن يتوقف ما يشكو منه أبناؤنا في الجامعات من تدخلات في شؤونهم واتحاداتهم الطلابية وتفكيرهم السياسي، فهذا زمان جديد لا يقبل مثل هذا، ولا نريد أن تتراجع صورة الحريات في الجامعات عن أعلى ما في العالم من صور للحرية والإبداع، وقد أكدت للشباب الذين حاورتهم أن حريتهم مصونة وأن كرامتهم من كرامتي، وأن ينطلقوا أحرارا من أجل الوطن والعدل والحياة. وعليه فإنه يجب اتخاذ إجراءات فورية لإنهاء أي تدخل من أي جهة كانت في شؤون الجامعات ومعاهد العلم.

أما الإعلام الوطني بسائر أشكاله، المطبوع والمرئي والمسموع والالكتروني، فلا بد له، وقد آمنا بحريته، من التعبير بمهنية رفيعة ومسؤولية وطنية عن هذا البلد الذي لا تهدأ محاولاته للتقدم، ولا يتراجع عن أحلامه وأشواقه وهو يسير نحو الحرية والحياة الكريمة. وقد شهدنا تراجعا في الإعلام الرسمي، أسهم في عدم إيصال رسالة الدولة الأردنية وصوت المواطن بالشكل الذي يليق. إننا في الأردن وطن حرية وإبداع، يقبل الرأي الآخر ويحترم التعددية والعدالة وسيادة القانون. وهنا أوجه الحكومة لإعداد إستراتيجية للإعلام تقوم على قاعدتي الحرية والمسؤولية، وتأخذ بعين الاعتبار متغيرات العصر من أدوات جديدة للاتصال، على أن تعد هذه الإستراتيجية بالتعاون مع كل الجهات ذات العلاقة من القطاعين العام والخاص، وعلى أن تنجز في غضون شهرين، بما في ذلك مراجعة التشريعات الناظمة للإعلام، لحماية المواطن من الإساءة واغتيال السمعة.

إن دعوتنا للإعلام ترتبط أيضا بإعطاء الدعم الكامل لأبنائنا المبدعين من فنانين وكتّاب، وهم الذين ظل عطاؤهم حاضرا على ضيق الدعم المقدم لهم، وقد آلمني ما عبروا عنه قبل أيام وهم ينعون الفن الأردني، ويمدون الشكوى عبر شوارع العاصمة، وأن على مؤسساتنا الثقافية والإعلامية دعم حقوق المثقفين والفنانين ومطالبهم المشروعة.
إن الإصلاح الشامل غاية لا وسيلة، وإننا نتفهم الحراك السياسي وأصوات الشباب، فهم صوت وطني منا ولنا، وبهم نؤسس إصلاحا حقيقيا ومجلسا نيابيا يمثل كل الأردنيين، مما يعزز نتائج الحوار الوطني والإصلاح السياسي ويرسخ قيم العدالة والشفافية والنزاهة.
إنني إذ أؤكد على إنجاز الإصلاح السياسي لأدرك أن ميدان معركتنا الكبيرة في الإصلاح هو الاقتصاد، فقد صبر شعبنا على الفقر والبطالة ونقص فرص العمل، وبذلنا جهودا كبيرة في ميدان الإصلاح الذي اعتراه بعض الخلل، خصوصا في ضوء أزمة عالمية خانقة.

وإني لأتوقع إجراءات اقتصادية جديدة خلال ثلاثة أشهر، تضمن خطوات عملية لإيجاد فرص العمل بالشراكة بين القطاعين العام والخاص، وتنجز القوانين ذات الصلة بالاستثمار وحماية المستهلك ومنع الاحتكار وتنظيم السوق، بما يضمن حماية المواطنين من تقلب الأسعار والحفاظ على مكتسبات الإصلاح الاقتصادي الذي سار فيه الأردن خطوات كبيرة. وعلى الحكومة تقديم سائر أشكال الدعم والإسناد ليتمكن القطاع الخاص من لعب دوره المنشود بفعالية.

إن العدالة الاجتماعية وتوسيع قاعدة الطبقة الوسطى والتوزيع العادل للمكتسبات التنموية يجب أن تكون محط اهتمام الحكومة والقطاع الخاص فعلا لا قولا، ليلمس المواطنون في مختلف المحافظات آثارها على حياتهم اليومية.

وإن الاستثمار المحلي والأجنبي، وخصوصا الاستثمار القادم من الدول العربية الشقيقة، كان وما يزال، يشكل ركيزة للاقتصاد الأردني ويجب إيلاء الاستثمارات القائمة جل اهتمام الحكومة، كما لا بد من إعداد خطة واضحة لكيفية استقطاب الاستثمارات ذات القيمة المضافة العالية والمشغلة للأردنيين، وتذليل الصعوبات والعقبات التي تحول دون المرونة في التعامل معها، في غضون شهر من الآن.

أما ما يتعلق بالمشاريع الحيوية التي تشمل الطاقة والمياه والبنى التحتية، فإن المضي قدما فيها ليس خيارا، بل ضرورة لحيوية الاقتصاد الأردني ومستقبل الأجيال القادمة، وعلى الحكومة التأكد من تنفيذها ضمن أطر زمنية واضحة، لكي يعي المواطن تفاصيل هذه المشاريع بشفافية ونزاهة كاملة.
إن القضاء الأردني النزيه والمستقل هو الضمانة لتحقيق العدالة والمساواة بين أفراد المجتمع، وقد قطعنا أشواطا مهمة في السنوات العشر الماضية في مجال تعزيز استقلال القضاء وتطويره، ويجب الاستمرار في هذا النهج حتى يطمئن المواطن والمستثمر على حقوقهم المدنية والمادية.

دولة الرئيس،

لقد ضمن الدستور المساواة بين أبناء شعبنا، ووفق قرار وتعليمات فك الارتباط الإداري والقانوني مع الضفة الغربية تم التعامل مع بعض الأفراد والأسر الأردنية بطريقة مست حقوق المواطنة الأردنية، وإنني أؤكد هنا أن الأردن لجميع الأردنيين، ولن يفقد أي مواطن حقوقه التي كفلها الدستور والقانون، وأدعو لدراسة ملفات كل من لحقه غبن أو ظلم، مع تأكيد حرصنا الدائم على دعم صمود أشقائنا في فلسطين الحبيبة، وتمسكنا الثابت بحق العودة المقدس.

دولة الرئيس،

إننا أبناء دولة ندافع عن تقدمها وسيادتها وصورتها الديمقراطية، وهي ليست جديدة على الإصلاح والمعارضة، لكنها دولة التوافق والتراضي بين أهلها في سائر شؤونهم، وإن لنا من نظامنا السياسي الديموقراطي الدستوري جدارا نستند إليه، ولنا إرث عظيم في الحرية والعدل، والمستقبل الواعد، ويوحدنا حول هذا كله حب للوطن.
إنني لن ألتمس بعد اليوم عذرا للتأخير في دورة الحياة في عروق الإصلاح السياسي والاقتصادي، وأن المطلوب، يا دولة الأخ، أن لا تقبل من مقصر أن يبدي حججا واهية لخلل أصاب عملا في إطار مسؤولياته، خاصة في مجالات التعليم والصحة وسائر المسؤوليات الرقابية والإدارية، كما أنه ليس من المقبول أن تظل البيروقراطية حجر عثرة في سبيل إنجاز متطلبات الناس وحاجاتهم، ونحن بلد متقدم في العلم والتكنولوجيا.
إنني إذ أوجه هذه الرسالة، وأخص بها القضايا الأساسية التي تواجه مسيرتنا، فإنما استنهض المروءة والإرادة في كل أردني، للمحافظة على دولته ودستوره وإنجازه، واستنهض الذين يؤمنون بالإصلاح أن يدخلوا في غمار الانجاز موحدين حتى لا يضيع عليهم المترددون الانطلاق نحو المستقبل الأفضل.

أكرر الشكر لكم دولة الرئيس ولزملائك الوزراء، وأوجه التحية لأبناء الوطن كلهم، وأشد على أيديهم، وأدعوهم إلى الانتقال إلى العمل، فنحن ندرك أن حجم التحديات كبير ولكن إرادة شعبنا أكبر.
أسال الله أن يحفظكم ويرعاكم ويسدد على طريق الخير خطاكم، وأن يوفقنا جميعا لتحقيق تطلعات شعبنا العزيز في التقدم والرخاء.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته،

عبدالله الثاني ابن الحسين
عمان في 17 ربيع الثاني 1432 هجرية
الموافق 22 أذار 2011 ميلادية